محمد بن جرير الطبري
257
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قعدت " ، وأنت مخبرٌ لا مستفهم ، لوقوع ذلك موقع " أي " . وذلك أنّ معناه إذا قلتَ ذلك : ما نبالي أيّ هذين كان منك . فكذلك ذلك في قوله : " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم " ، لمَّا كان معنى الكلام : سواءٌ عليهم أيُّ هذين كان منك إليهم - حسُن في موضعه مع سواءٌ : " أفعلتَ أم لم تفعل " . وكان بعضُ نحوِيِّي البصرة يزعمُ أنّ حرفَ الاستفهام إنما دَخَل مع " سواء " ، وليس باستفهام ، لأن المستفهِم إذا استفهَم غيرَه فقال : " أزيد عندك أم عمرو ؟ " مستثبتٌ صاحبه أيُّهما عنده . فليس أحدُهما أحقَّ بالاستفهام من الآخر . فلما كان قوله : " سَواء عليهم أأنذرتهم أم لم تُنذرهم " بمعنى التسوية ، أشبه ذلك الاستفهامَ ، إذ أشبهه في التَّسوية . وقد بينّا الصَّواب في ذلك . فتأويل الكلام إذًا : معتدلٌ يا محمد - على هؤلاء الذين جحدوا نبوَّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها ، وكتموا بيان أمرك للناس بأنك رسولي إلى خلقي ، وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ أن لا يكتموا ذلك ، وأن يبيِّنوه للناس ، وُيخْبرُوهم أنهم يجدُون صِفَتَك في كتبهم - أأنذرتهم أم لم تنذرهم ، فإنهم لا يؤمنون ، ولا يرجعون إلى الحق ، ولا يصدقونَ بك وبما جئتَهم به . كما : - 299 - حدثنا محمد بن حميد قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ، أي أنهم قد كفروا بما عندهم من العِلْم من ذكرٍ ، وجحدوا ما أخِذ عليهم من الميثاق لك ، فقد كفروا بما جاءك ، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك ، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا ، وقد كفروا بما عندهم من علمك ؟ ( 1 ) . * * *
--> ( 1 ) الخبر 299 - سبق تخريجه مع الخبر 295 .